يواصل سوق الشحن البحري العالمي إظهار مؤشرات قوية على نمو الطلب في نشاط الحاويات، مدفوعاً بارتفاع معدلات النقل البحري والتطورات الجيوسياسية الراهنة، ما دفع كبرى الشركات الملاحية إلى التوسع في طلبات بناء سفن جديدة.
وفي هذا الإطار، تقدمت شركة China United Lines (CU Lines) بطلب لبناء سفينتي حاويات عملاقتين بسعة 14,000 حاوية نمطية (TEU) إلى شركة Hudong-Zhonghua المتخصصة في بناء السفن، مع تحديد موعد تسليمهما خلال عام 2028. ومن المنتظر أن تصبح هاتان السفينتان الأكبر حجماً في أسطول CU Lines على الإطلاق، متجاوزتين بفارق كبير أكبر سفنها المملوكة حالياً والتي تبلغ سعتها 6,400 حاوية نمطية، إلى جانب سفينة مستأجرة بسعة 10,100 حاوية نمطية. ويمثل هذا الطلب نقلة نوعية في حجم سفن الشركة الصينية.
وعلى الجانب الأوروبي، تدرس مجموعة "أوفن" (Offen) الألمانية، ومقرها هامبورغ والمتخصصة في توفير السفن، العودة إلى سوق بناء سفن الحاويات الجديدة بعد انقطاع تجاوز عقداً كاملاً. وتشير تقارير شركة ألفالاينر لأبحاث الشحن البحري إلى أن "أوفن" تجري مباحثات مع حوض بناء السفن "غوانغتشو شيب يارد إنترناشيونال" (GSI) التابع لمجموعة بناء السفن الحكومية الصينية (CSSC)، لبناء سفينتين مؤكدتين مع خيار إضافة سفينتين أخريين، بسعة 7,000 حاوية نمطية لكل سفينة، على أن يبدأ التسليم مبدئياً في عام 2030.
ولا تزال المفاوضات جارية دون تأكيد رسمي لتفاصيل العقد أو الأسعار أو آليات السداد. وفي حال إتمام الصفقة، ستكون هذه أول خطة لبناء سفن حاويات جديدة تنفذها "أوفن" منذ أكثر من 10 سنوات، ما يضيف حمولات جديدة إلى أسطولها الذي يضم بالفعل عدداً من سفن فئة "ما بعد باناماكس" (post-panamax) التي دخلت عقدها التشغيلي الثاني.
وتُصنف "أوفن" وفقاً لبيانات أسطولها كأكبر مالك ألماني لسفن الحاويات غير المشغلة، إذ تدير أكثر من 40 سفينة تتنوع بين فئات "باناماكس" و"ما بعد باناماكس" و"سوبر ما بعد باناماكس". ويشمل الأسطول الحالي سلسلة من سفن "ما بعد باناماكس" بسعة 8,084 حاوية نمطية بُنيت عامي 2005 و2006، وسفناً بسعة 14,036 حاوية نمطية تعود لعامي 2010 و2011، وتعمل ضمن أساطيل شركات شحن عالمية مثل "MSC" و"ONE".
وتمثل هذه الطلبية المحتملة عودة لشركة "أوفن" إلى مسار الاستثمار الذي رسمته لنفسها قبل سنوات، إذ باعت في عام 2019 نشاط إدارة ناقلات النفط التابع لها (شركة CPO Tankers) إلى شركة "Zeaborn"، في إطار تركيزها على امتلاك وإدارة سفن الحاويات من فئة "ما بعد باناماكس". وقد انتقلت مهام القيادة اليومية للشركة، التي أسسها كلاوس-بيتر أوفن عام 1971، إلى أرنت فيسبرمان، الرئيس السابق لشركة "هامبورغ سود" (Hamburg Süd)، وذلك في عام 2022.
في المقابل، نجح حوض "جي إس آي" (GSI) في تكوين واحد من أنشط دفاتر الطلبات التجارية في الصين هذا العام، وإن تركزت طلبياته بشكل أساسي على ناقلات النفط وسفن الدحرجة (Ro-Ro) وسفن الركاب والبضائع (Ro-Pax) وسفن نقل السيارات.
ويعكس هذا الزخم في طلبات بناء سفن الحاويات العالمية حالة التفاؤل السائدة في قطاع النقل البحري، وهي تطورات تتابعها عن كثب أوساط النقل البري في مصر، نظراً للارتباط الوثيق بين حركة الموانئ وأنشطة الشحن البحري من جهة، وقطاع النقل البري والشاحنات من جهة أخرى، إذ ينعكس أي انتعاش في حجم التجارة البحرية إيجاباً على حركة البضائع براً عبر الموانئ المصرية.