كشفت تقارير ملاحية متخصصة أن موسم الذروة لشحن الحاويات على خطوط الشرق والغرب انطلق مبكراً هذا العام خلال شهر مايو، ما أسفر عن قفزة حادة في أسعار الشحن البحري استمرت حتى مطلع يوليو. ورغم ذلك، لا تزال أسعار الشحن عبر المحيط الهادئ محتفظة بمستوياتها المرتفعة، في حين تشهد الأسعار على مسار آسيا-أوروبا انخفاضاً متدرجاً.
وبحسب مؤشر البلطيق لأسعار الشحن البحري، واصلت أسعار شحن الحاويات من آسيا إلى أوروبا تراجعها التدريجي من قمم الموسم بالتزامن مع تباطؤ أحجام الشحن. فقد سجلت الأسعار من آسيا إلى شمال أوروبا انخفاضاً بنسبة 15% خلال الأسبوع المنصرم لتستقر عند 3,700 دولار للحاوية المكافئة، نزولاً من ذروة يوليو التي اقتربت من 6,000 دولار، غير أنها ما تزال تفوق مستويات ما قبل انطلاق موسم الذروة في أواخر مايو بنحو 1,000 دولار.
وعلى المسار المتجه إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، تراجعت الأسعار بنسبة 7% لتصل إلى 3,900 دولار للحاوية المكافئة الأسبوع الماضي، مقارنة بأكثر من 7,000 دولار في يوليو، لتعود بذلك إلى المستويات ذاتها المسجلة في مايو.
ويُعزى الانخفاض الأكثر حدة على خط البحر الأبيض المتوسط إلى سببين رئيسيين: أولهما الزيادة الأكبر في السعة الفعلية الناجمة عن ارتفاع عدد السفن العابرة عبر البحر الأحمر والتي تخدم هذا المسار مقارنة بالسفن المتجهة إلى شمال أوروبا أو القادمة منها؛ وثانيهما الازدحام الذي تشهده مراكز الشحن الرئيسية في شمال أوروبا، بما في ذلك الازدحام الناتج عن انخفاض منسوب المياه في نهر الراين، ما أدى إلى تقييد السعة على خطوط التجارة بين آسيا وشمال أوروبا.
وفي تطور قد يزيد الضغوط على المنطقة، تُجري نقابة العمال "فيردي" (Verdi) في ألمانيا تصويتاً حول احتمال تنظيم إضراب مفتوح في الموانئ قد ينطلق في شهر أكتوبر، ما قد يفاقم تحديات الازدحام القائمة.
وأشارت تقارير مؤشر البلطيق إلى أن الطلب القوي والمتواصل على خط المحيط الهادئ — والذي ربما تعزز بعد تأجيل رفع الرسوم الجمركية في أواخر يوليو، وشهد مؤخراً اندفاعاً أخيراً لنقل الحاويات قبل عطلة "الأسبوع الذهبي" — إلى جانب استمرار تكدس الموانئ في الشرق الأقصى بسبب الأحوال الجوية وإلغاء بعض الرحلات المجدولة (blanked sailings)، تمثل جميعها عوامل تُبقي أسعار الحاويات عند أعلى مستوياتها المسجلة هذا العام.
وسجلت الأسعار من الشرق الأقصى إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة ارتفاعاً بنسبة 4% لتتجاوز 8,100 دولار لكل حاوية نمطية (FEU) الأسبوع الماضي، في حين استقرت الأسعار إلى الساحل الشرقي عند 9,600 دولار لكل حاوية نمطية.
ويُرجح أن بعض حالات إلغاء الرحلات البحرية (المعروفة بـ "blanked sailings") تعود إلى التأخيرات واضطرابات الجداول الزمنية الناجمة عن الازدحام. وفي الوقت ذاته، تلجأ شركات الشحن إلى تقليص السعة الاستيعابية للتكيف مع انخفاض أحجام الشحن المتوقع خلال فترة العطلات، ومع تراجع الطلب المحتمل في أواخر أكتوبر مع انتهاء موسم الذروة. غير أن التحليلات التي تُظهر معدلاً أقل لعمليات الإلغاء مقارنة بالسنوات الماضية قد تعكس القوة النسبية للطلب السائد حالياً.
وترى بعض المؤشرات أن مستويات أسعار الشحن عبر المحيط الهادئ تقترب من المستويات القياسية المسجلة إبان الجائحة. إلا أن بيانات مؤشر "Freightos Baltic Index" (FBX) تُظهر أنه في ذروة الطفرة غير المسبوقة في الطلب الناجمة عن كوفيد-19 وما نتج عنها من ازدحام خانق في الموانئ خلال شهر سبتمبر 2021، بلغت أسعار الشحن عبر المحيط الهادئ إلى الساحل الغربي مستوى قياسياً تاريخياً تجاوز 20,000 دولار للحاوية المكافئة (FEU).
وفي تلك الفترة، لم تكن شركات الشحن تنقل الشحنات الفورية (spot shipments) المحجوزة بالأسعار الأساسية، ما يعني أن سعر السوق الفعلي لنقل الحاوية كان يتضمن رسوماً إضافية مميزة (عادة ما تكون اختيارية، لكنها كانت إلزامية خلال تلك المرحلة)، وهو ما دفع مؤشر FBX المرجعي إلى تلك المستويات التاريخية.
وعليه، ورغم أن ظروف السوق الراهنة تفرض ضغوطاً كبيرة على الأسعار وتعيدها إلى مستويات شوهدت آخر مرة خلال موسم الذروة لعام 2024 حين كانت قيود السعة في البحر الأحمر عاملاً محورياً، فإن بيانات FBX تشير إلى أننا لم نقترب بعد من مستويات الجائحة.
أما على صعيد الشحن الجوي، فقد انخفضت أسعار الشحن من الصين إلى شمال أوروبا بنسبة 18% خلال الأسبوع الماضي، لتعود إلى مستويات منتصف أغسطس البالغة 4.30 دولار للكيلوغرام، وذلك في ظل استمرار تراجع أحجام الشحن نتيجة تباطؤ الطلب المرتبط بالتجارة الإلكترونية.
في المقابل، ظلت أسعار الشحن من الصين إلى الولايات المتحدة مستقرة عند حوالي 6.50 دولار للكيلوغرام، رغم أن الأسعار اليومية خلال الأسبوع الجاري تشير إلى اتجاه تصاعدي.
ويحمل هذا المشهد المتقلب في أسعار الشحن البحري والجوي دلالات مهمة لقطاع النقل البري في مصر، إذ يرتبط حجم حركة الشاحنات بين الموانئ والمستودعات ومراكز التوزيع ارتباطاً مباشراً بوتيرة الواردات والصادرات، كما أن أي تغير في سلاسل الإمداد العالمية ينعكس على جدولة رحلات النقل البري ومعدلات تشغيل الأسطول.